محمد بن ابراهيم النفزي الرندي

134

غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية

قال بعض العارفين : « من نظر في توحيده إلى عقله لم ينجه توحيده من النار » . وعن ذي النون المصري رضي اللّه عنه ، ما هو قريب من هذا : « من كان في توحيده ناظرا إلى نفسه لم ينجه توحيده من النار حتى يكون نظره إليه في توحيده إيّاه عز وجل ، فهذا هو شكر هذه النعمة العظيمة » . قال الشيخ أبو طالب المكيّ ، بعد أن ذكر ما روي عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من قوله : « أحبّوا اللّه لما أسدى إليكم من نعمه ولما يغذوكم به أيضا » « 1 » فمن أفضل ما غذّانا به نعمة الإيمان به والمعرفة له ، وغذاؤه لنا منه دوام ذلك ومدده بروح منه وتثبيتنا عليه في تصريف الأحوال ؛ إذ هو أصل الأعمال التي هي مكان النوال ، فلو قلّب قلوبنا عن التوحيد كما يقلب جوارحنا في الذنوب ، ولو قلّب قلوبنا في الشك والضلال ، كما يقلب نياتنا في الأعمال أيّ شيء كنا نصنع ؟ وعلى أي شيء كنا نعوّل ؟ وبأي شيء كنا نطمئن ونرجو ؟ فهذا من أعظم النعم ومعرفته هو شكر نعمة الإيمان ، والجهل بهذا غفلة عن نعمة الإيمان توجب العقوبة . وادعاء الإيمان أنه عن كسب معقول أو استطاعة بقوة وحول هو كفر نعمة الإيمان . وأخاف على من توهّم ذلك أن يسلب الإيمان ، لأنه بدّل شكر نعمة اللّه كفرا » انتهى كلام الشيخ أبي طالب ، وهو حسن في هذا المعنى . فاقتك لك ذاتية ، وورود الأسباب مذكرات لك بما خفي عليك منها والفاقة الذاتية لا ترفعها العوارض . إذا ثبت أن نعمتي الايجاد ، والإمداد لازمتان لك وأنك في ذاتك عدم لولاهما ، فالفاقة إذن ذاتيةّ لك ، والاضطرار لازم لوجودك ، وإن كنت غنيا بوجود النعمتين المذكورتين فإن ذلك أمر عرضي ، والأمور الذاتية لا تزيلها الأمور العرضية . وإنما أورد عليك الأسباب التي تضادّ وجودك أو بقاء وجودك ليذكرك بذلك ما خفي عليك من وجود الفاقة الذاتية لك والاضطرار اللازم لوجودك ، فتلازم مركزك وتقوم بحقّ عبوديتك ولا تجاوز حدك وطورك . قال بعضهم : « إنما حمل فرعون على قوله : ( أنا ربكم الأعلى ) طول العافية والغنى ؛ لبث أربعمائة سنة لم يتصدع رأسه ولا حمّ جسده ولم يضرب عليه عرق ، فادّعى الربوبية ، ولو أخذته الشقيقة « 2 » ساعة واحدة ، أو المليلة « 3 » كلّ يوم لشغله ذلك عن دعوى الربوبية » .

--> ( 1 ) أخرجه الترمذي ( مناقب ، 31 ) . ( 2 ) الشّقيقة : ألم يأخذ في نصف الرأس والوجه . ( 3 ) الملال : فتور يعرض للإنسان من كثرة مزاولة شيء ، فيوجب الكلال والإعراض عنه .